المحاضرة السابعة: سياسة التشغيل في الجزائر
(المحاضرة السابعة)

المحاضرة السابعة: سياسة التشغيل في الجزائر

        لقد أدى التحول إلى نظام الاقتصاد الليبرالي في الجزائر مع مطلع التسعينات، ظهور إشكالات معقدة أمام الهيئات العمومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتصدرها صعوبة التوفيق بين المكاسب الاقتصادية والتضحيات الاجتماعية، خاصة ما تعلق منها بالإختلالات الكبيرة التي وقعت في سوق العمل، والمتميزة بالتراجع الحاد في عروض العمل، مقابل التزايد المستمر في الطلب على التشغيل، مما جعل موضوع التشغيل يقفز إلى المراتب الأولى ضمن أولويات برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

        ومما زاد من خطورة هذه الاختلالات في معادلة العرض والطلب في سوق العمل في الجزائر تلك النسب المرتفعة للبطالة التي سجلها مقياس استقرار السوق، والتي تجاوزت في وقت من الأوقات عتبة الثلاثين بالمائة. لتصبح بلا منازع الشغل الشاغل للحكومة ومختلف الهيئات العمومية المركزية والمحلية. بل وكان لها الدور الكبير في دوافع وأسباب المأساة الوطنية التي عاشتها الجزائر خلال عشرية التسعينات السوداء.  

        وإذا كان التحول إلى النظام الليبرالي لم يكن وحده السبب في أزمت التشغيل في الجزائر، ذلك أن هشاشة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي الذي كان سائداً قبل ذلك، بسبب التحكم الإداري في هذا الاستقرار قد شكل أحد أسباب انهيار هذا الاستقرار في سوق العمل في ظل التسيير الإداري قبل التحول إلى التسيير الليبرالي، فإن هذا التحول قد كشف ضعف النسيج الاقتصادي في توفير فرص العمل الكافية لتغطية الطلب المتزايد على سوق الشغل، كما كشف ضعف المؤسسات والهيئات المكلفة بتنظيم وتسيير سوق العمل في الجزائر، بل وانعدام آليات التحكم في سوق العمل في الجزائر بصفة كلية.

        وإذا لم تكن ظاهرة البطالة معروفة في الجزائر خلال سنوات الرخاء الاقتصادي في سنوات الستينات والسبعينات، وإلى منتصف الثمانينات بحكم الموارد البترولية الكافية نتيجة ارتفاع أسعار البترول آنذاك، فإنه ما أن بدأت هذه الأسعار في الانخفاض مع منتصف الثمانينات حتى بدأت هذه الظاهرة في البروز، بل وفي مدة قصيرة أصبحت تشكل أحدى أهم الانشغالات والتحديات الاقتصادية والاجتماعية للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية. حيث تشير العديد من التقارير الرسمية إلى أن مستوى البطالة في الجزائر بدأ في الارتفاع من 17 % في 1987 إلى 28 % سنة 1995 ليصل حدود 30%  سنة 1999، هذا الارتفاع الذي جاء نتيجة عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية مترابطة، أبرزها سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية التي شرعت فيها هذه بعد دخولها في مفاوضات التصحيح الهيكلي لاقتصادياتها مع المؤسسات المالية الدولية، ورغم محاولات هذه الدول الحد من هذه الزيادة عن طريق العديد من البرامج والمشاريع التي صاحبة هذه التحولات، والتي جاءت في غالبيتها بصفة سريعة وغير مدروسة بصفة علمية، مما جعلها قليلة الفاعلية في الحد من تنامي هذه الظاهرة كما سوف نبين ذلك فيما بعد. هذه الوضعية الصعبة التي تعيشها معظم الدول العربية، والمغاربية بصفة خاصة، ساهمت بشكل كبير في تعقيد مهمة مكاتب التشغيل والتوجيه العربية في التكفل بمتطلبات اليد العاملة الباحثة عن العمل، لاسيما شريحة الشباب المتخرج حديثاً من الجامعات ومعاهد التكوين المهني المتخصصة الداخلين لسوق العمل لأول مرة. 

        ومن أجل الإحاطة قدر الممكن بمختلف جوانب السياسة العامة للتشغيل ومحاربة البطالة في السنوات الأخيرة بصفة خاصة لاستحالة التعرض للسياسات المعتمدة في مجال التشغيل في العقود الماضية، ارتأينا أن نتناول الموضوع من خلال المحاور التالية:  

        المحور الأول: الأبعاد الرئيسية لسياسات التشغيل ومحاربة البطالة، ومكانتها ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية العامة للتنمية.

        المحور الثاني: الأطر القانونية والتنظيمية وآليات وبرامج تجسيد وتنفيذ سياسات التشغيل.

       المحور الثالث: معوقات نجاح سياسات التشغيل.

        المحور الرابع: عوامل تفعيل ونجاح سياسات التشغيل.

أولاً ـ الأبعاد الرئيسية لسياسات التشغيل ومحاربة البطالة، ومكانتها ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية العامة للتنمية.

            لقد كانت سياسة التشغيل دوماً جزءاً لا يتجزأ من سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، على اعتبار أنه لا يمكن الاهتمام بالجوانب المادية دون الجوانب البشرية، بحكم أن الهدف من التنمية في النهاية هو توفير القدر الكافي من سبل العيش الكريم للمواطن، وهو ما يتأتى إلا بتوفير فرص العمل لكل القادرين على العمل، والباحثين عنه. ووضع البرامج الناجعة للتكفل بالقادمين إلى سوق العمل من الجامعات ومعاهد التكوين المختلفة.

           وإذا كان من الصعب في هذه العجالة استعراض مختلف الأبعاد والأهداف الرئيسية لسياسات التشغيل والعمل على الحد من البطالة، التي تم انتهاجها خلال الفترات السابقة، والتي كانت تحكمها عوامل ومظروف من المؤكد أنها تختلف عن العوامل والظروف الحالية، بغض النظر عن نجاحها أو فشلها. فإنه يمكن القول أن أبعاد سياسة التشغيل الحالية متعددة الجوانب، منها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو اقتصادي، وما يتعلق بالجانب التنظيمي والهيكلي، وما إلى ذلك من الجوانب الأخرى.   

           فبالنسبة للبعد الاجتماعي، فيركز على ضرورة القضاء على مختلف الآفات الاجتماعية الناتجة عن آفة البطالة لاسيما بالنسبة للشباب عامة، وذوي المؤهلات الجامعية والمتوسطة خاصة، والعمل على توفير الظروف المناسبة لإدماج هؤلاء الشباب في المجتمع، وإبعادهم عن كل ما يجعلهم عرضة لليأس والتهميش والإقصاء، وما يترتب على ذلك من أفكار وتصرفات أقل ما يقال عنها تضر بهؤلاء الشباب أولاً، وبالبلاد ثانياً، ونقصد بها اللجوء إلى الهجرة السرية نحو الضفة الأخرى من المتوسط، وما يترتب على ذلك من مخاطر الموت في البحر. والإدمان على المخدرات وما ينتج عنه من مظاهر إجرامية متعدد الأوجه، بما فيه الجرائم الإرهابية، والانتحار، والتمرد على قيم وتقاليد وقوانين البلاد، وما إلى ذلك من الانعكاسات السلبية المتعددة المظاهر التي تفرزها ظاهرة البطالة.

           بينما يرتكز البعد الاقتصادي على ضرورة استثمار القدرات البشرية لاسيما المؤهلة منها في خلق الثروة الاقتصادية عن طريق توظيفها في مختلف المجالات وقطاعات النشاط بما يسمح بإحداث التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وتطوير أنماط الإنتاج، وتحسين النوعية والمردودية ومنافسة المنتوج الأجنبي، وربح المعركة التكنولوجية السريعة التطور.

بينما ترمي الأبعاد التنظيمية والهيكلية لسياسة التشغيل إلى تحقيق مجموعة من الأهداف يمكن استخلاصها من وثيقة المخطط الوطني لترقية التشغيل ومحاربة البطالة المعتمد من قبل الحكومة في شهر أفريل من السنة الماضية، والتي ترمي في إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتعددة الأبعاد، يمكن إيجاز أهمها فيما يلي:

- الوصول إلى تنظيم أحسن لسوق العمل وبالتالي رفع مستوى عروض العمل، تحسين المؤهلات المهنية بغرض إيجاد التوازن بين العرض والطلب في مجال التشغيل.

- تكييف الطلب على التشغيل وبالتالي المؤهلات مع حاجيات سوق العمل، للوصول تدريجيا على توافق بين مخرجات التكوين وسوق الشغل.

- العمل على تصحيح الاختلالات الواقعة في سوق العمل، وتوفير الشروط المناسبة للتقريب بين حجم عرض العمل وحجم الطلب عليه. بغرض إيجاد التوازن بين العرض والطلب في مجال التشغيل.

        - تحسين المؤهلات المهنية بهدف تحقيق تحسين قابلية التشغيل لدى طالبي العمل.

        - دعم الاستثمار في القطاع الاقتصادي لخلق مناصب شغل دائمة.

        - ترقية التكوين المؤهل، لاسيما في موقع العمل وفي الوسط المهني، لتيسير الإدماج في عالم الشغل.

        - ترقية سياسة تحفيزية باتجاه المؤسسات تشجع على خلق مناصب الشغل.

        - محاربة البطالة عن طريق المقاربة الاقتصادية، والعمل على تخفيضها إلى أدنى مستوى ممكن.

        - تنمية روح المقاولة لاسيما لدى الشباب.

        - ترقية اليد العاملة المؤهلة على المديين القصير والمتوسط. وتكييف فروع وتخصصات التكوين حسب حاجيات سوق العمل. ودعم التنسيق بين المتدخلين على مستوى سوق العمل.

        - دعم الاستثمار الخلاق لفرص ومناصب العمل، ودعم ترقية تشغيل الشباب وتحسين نسبة التوظيف الدائم.

        - مراعاة الطلب الإضافي للتشغيل، وعصرنة آليات المتابعة والمراقبة والتقييم، وإنشاء هيئات قطاعية لتنسيق جهود مختلف المتدخلين في مجال التشغيل.

        - العمل على التحكم في مختلف العناصر الأساسية التي تتحكم في تسيير سوق العمل ومعرفته أحسن عن طريق نظام المعلومات والإحصائيات و بنوك المعطيات ومختلف الأدوات الضرورية لإدخال التصحيحات والتعديلات اللازمة على مخطط العمل.

        يتضح مما سبق أن سياسة التشغيل في الجزائر في السنوات الأخيرة، أصبحت تقوم على مجموعة من الأبعاد المتعددة الجوانب، ترمي إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية، والتنظيمية والهيكلية، الأمر الذي يجعلها تعتمد في تحقيق هذه الأهداف على مجموعة من الآليات القانونية والتنظيمية، والبرامج والمخططات العملية.