تحليل مضمون السمعي البصري- الجزء الثالث
(محاضرات من 13 الى 14 )

محاضرة رقم 13

الصـورة الرقـمـية

1- تعريف الصورة الرقمية:

  تختلف الصور الرقمية عن الصور الفوتوغرافية في انها صور مولدة من خلال الكمبيوتر و الكاميرا الرقمية او على الأقل معززة بهما. وتستمد قيمتها الخاصة من دورها كمعلومة، وكلك من تميزها بوصفها صور يسهل الوصول إليها، والتعامل معها ومعالجتها وتخزينها وتحميلها او تنزيلها في الكمبيوتر او على الانترنت.

 وينما كان المصطلح يشير إلى معالجة الصورة عن طريق الماسح الضوئي وبرنامج الفوتوشوب، فانه تم التوسع في استخدامه ليشير أيضا إلى التقاط الصورة باستخدام الكاميرات الرقمية، فضلا عن معالجتها ببرامج معالجة الصورة، مرورا باستخدام التقنيات الحديثة في حفظ وتنظيم الصور وأرشفتها واسترجاعها.

وتتخذ الصور الرقمية عدة أشكال من بينها الصور الإعلامية، وصور الواقع الافتراضي، وصور المحاكاة، وتكنولوجيا الاقراص الممغنطة، وصور مواقع الافلام على الانترنت وغيرها. وقد أصبحت الصورة الرقمية تتشكل بألبسة مختلفة ومتنوعة ومتكاملة في ذات الوقت، حيث بدأت تجمع ما بين الوسائط المتعددة، والرسوم والتسجيلات الصوتية والخرائط والتخطيطات والتعليقات والتحليلات في وعاء واحد.

 وفي عالم الصور الرقمية لا توجد صور فريدة من نوعها، حيث لم بعد ينظر للصورة باعتبارها مجرد إعادة إنتاج لواقعة او حادثة، على انها نسخة مكررة، فالصور في الفترة السابقة على النسخ الآلي للصور، كما هي الحال في فن التصوير الزيتي مثلا، كانت توضع في مكان خاص، وتحصل على قيمتها الثقافية من كونها صورة أصلية او فريدة. أما الصور المنسوخة آليا فقد حصلت على قيمتها من خلال قابليتها لإعادة الإنتاج المكثف، وإمكان توزيعها بدرجة كبيرة، وكذلك لدورها في وسائل الإعلام الجماهيرية، حيث يمكنها تدوير ونشر وإذاعة الأفكار، وإقناع المشاهدين.

أما الصورة الرقمية والافتراضية فقد حصلت على قيمتها من خلال خصائص أخرى مثل سهولة الوصول إليها، والحصول عليها، ومطاوعتها. وقيمتها المعلوماتية المضافة كما أصبح من الممكن إنتاج الصور الرقمية التي تشبه الصور الفوتوغرافية الآن من دون كاميرا، وهو ما يعني أن الصور الفوتوغرافية يتم إنتاجها من دون مرجع موجود في الواقع، أي من دون مكون محدد يرتبط بالحياة الواقعية.

 كما ساعدت اللغة الرقمية على زيادة فاعلية الصورة وظهورها كلغة جديدة، كسرت حدة الخوف وجفاف المادة المكتوبة، بل وأصبحت تقدم شهادة إثبات على صدق ما تقوله الكلمة المكتوبة، ولاغرو في ذلك، بعد أن أصبحت مكونا أساسيا للمعرفة وتقديم المعلومات في هذا العصر.

2- أهمية الصـورة الرقمية:

   الصورة سلاح، الصورة أقوى من ألف كلمة، الصورة سلطة، عصر الصورة، حضارة الصورة، الصورة ليست فقط بألف كلمة، بل بمليون كلمة: عبارات متداولة يستدل منها على أهمية الصورة عند معظم الناس على اختلاف فئاتهم وبيئاتهم واهتماماتهم، وخاصة بعد التطور التكنولوجي الذي شهده عالم إنتاج الصور وتوزيعها وتوظيفها، حيث أقام الإنسان عن طريقها علاقة جيدة مع الزمان والمكان، وصار يشاهد الأحداث لحظة وقوعها، وبشكل مرئي ومحسوس في نفس الوقت.

ولقد لعبت وسائل الإعلام دورا أساسيا في زيادة هذه الأهمية للصورة، وفي زيادة وعي الإنسان المعاصر بأشكال الصورة المختلفة وجوانبها الايجابية والسلبية معا. كما ساهمت علوم الصورة وتقنياتها وتجلياتها في عمليات التربية والتعليم، وفي عمليات التسويق، وفي الحوار بين الجماعات والشعوب، وفي الاستمتاع وقضاء وقت الفراغ.

3- وظائف الصورة الرقمية :

  تقوم الصورة بعدة وظائف من بينها توثيق ورصد الأحداث، وتوقيف وتثبيت الزمن للحظات، وإثارة الكثير من الأحاسيس، والخيالات، ومساعدة المرء في استدعاء الماضي ومعايشته، كما تمكنه من التفكير في مستقبله وتنشيط خياله، ومساعدته في التحرك عبر إطار زمني ممتد ومنفتح ومن التفاعل مع أشخاص يوجدون في أماكن بعيدة.

 

4- تأثير الصورة الرقمية :

ويأتي التأثير القوي للصورة من اعتبار الرؤية أقوى الحواس البشرية التي يتمتع بها البشر، إذ تزود الفرد بما يصل الى80% من المعارف التي يتحصل بها، بينما تتشارك الحواس الأخرى في النسبة المتبقية، فضلا عن كون الصورة أكثر قدرة على ترجمة المشاعر والأحاسيس، وملامسة العواطف والمشاعر والأفكار، والاستحواذ على الانتباه. كما تتفرد بمزايا عديدة في الإقناع، والاندهاش، وسهولة الاستيعاب بشكل فوري وسريع من قبل أي فرد.

 فالصورة يمكن أن تتحدث عن نفسها. كما تأتي أهمية الصورة من ارتباط التفكير بالصورة بما يسمى التفكير البصري، والذي هو محاولة لفهم العالم من خلال الشكل والصورة. كما انه بعد عملية معرفية تنشط كان المرء يمتلك صورة ذهنية مماثلة للمشهد الخاص الموجود في العالم الواقعي.

 وقد أثبتت الدراسات أن خيال الفرد قادر على اختزان الصور البصرية أكثر من قدرته على اختزان الأشكال الأخرى.

5- سلبيات وايجابيات عصر الصورة الرقمية :

       من بين السلبيات التي صاحبت الاعتماد المتزايد على الصورة في العصر الراهن:

- ان النقـل المباشر للأحداث واللهث وراء الآنية وهيمنت الصورة، وتدفقها وتسارعها قد حولا الهدف من استخدامها، من مساعدة الجمهور على فهم ما جرى، إلى الاقتصار على نقل ما جرى، ومن ثم أصبحت الوسيلة هي الغاية، وأصبحت الصورة هي الحدث ذاته وليس وسيلة لنقل الحدث.

- وكذلك اثر هذا التسارع في النقل على القيم والأخلاق، وعلى تراجع مستوى الجودة والحرفية والدقة من خلال التسابق وراء السبق الإعلامي المصور، حيث أصبحت الصورة سلعة، وهو ما اثر على وظيفتها الأساسية والمتمثلة في عكس الواقع وإثراء الحوار الديمقراطي، فوسائل الإعلام تتعامل مع الصورة من زاوية الربح والكسب، متجاهلة القيمة الإضافية التي تقدمها للصعيد الإعلامي.

   - ومن ناحية أخرى، لم يؤد كثرة الصورة وتراكمها إلى فهم ما جرى، وكيف تم؟ ولماذا تم؟، فضلا عن أن اللهاث وراء الصورة أدى لزيادة هيمنة ثقافة المظهر والشكل والإبهار على حساب ثقافة الجوهر والقيمة والعمق، والى سيادة ثقافة النقل والمحاكاة والتقليد الأعمى والعمل في اتجاه مضاد لثقافة الإبداع، وخلق ما يعرف بثقافة التكرار، والتركيز على الترفيه، وتفضيل الفردي العولمي، وتعميق الصور النمطية، حتى أن البعض يخشى من ان يؤدي طغيان الصور إلى أن تحل محل الكلمات، والى تراجع القراءة لمصلحة المشاهدة.

   - ومن الجوانب السلبية للصور أيضا زيادة إمكانية استخدام الصور لتزييف الوعي وإخفاء الحقيقة، والإعلاء من قيمة السطحي والمؤقت والمعابر من الأمور على حساب الحقيقي والجوهري والثابت، وزيادة إمكانية تحويلها الإنسان إلى كائن يلبي مستقبل ومستهلك للصور وما ترتبط به من عوالم خاصة بالدعاية والإعلان والترويج للسلع، ومما يساعد على ذلك قيام بعض  المؤسسات التي تقف وراء صناعة الصورة في أحيان كثيرة بتقديم صور زائفة للواقع وخلق حالة من الهروب من المعرفة، وزرع حالة من الإدمان على تلقي المعرفة عبر الصور. وقد تزايدت هذه المظاهر السلبية للصور، مع ظهور ما يعرف بجرائم الصور، كالسرقة والتزوير والقتل والصور الزائفة واستدراج الضحايا عبر الصور.

    - ولكن من ناحية أخرى يمكن رصد عدة ايجـابيات للصورة بصفة عامة، من بينها مكانتها في تسجيل الأحداث والوقائع، وحفظ التاريخ وأرشفته بشكل مرئي، وتذكيرها بالماضي، ورصدها للحاضر وتتبع مساراته، وقدرتها على خدمة مجالات كثيرة من بينها عمليات الدعاية والإعلان والحرب النفسية وغيرها، ومخاطبتها لكل الأعمار والمستويات الثقافية وذوي الاحتياجات الخاصة، وتنشيطها لعمليات الانتباه والإدراك والتذكر والتصور والتخيل، وتدميرها للمسافات، ومساعدتها للمتعاملين معها للتحول من المشاهدة السلبية للأداء الايجابي.

 

 

 

محاضرة رقم 14

1- المداخل النظرية المستخدمة في تحليل الصور الرقمية:

   قبل البدء في طرح المداخل المختلفة المتعلقة بتحليل الصورة، فانه يجب التأكيد على أن الموقف النظري من الصورة الإعلامية يتباين وفق عدة رؤى فلسفية ونظرية، فالصورة مكون أساسي في ثقافة أي مجتمع، والرؤية النظرية لها تتباين بمكانة الصورة في المجتمع، وبطبيعة النظرة الثقافية لها.

 كما أن النظام الإعلامي لكل مجتمع يحدد طبيعة الدور المتوقع من الصورة، كما يحدد أخلاقياتها ومعايير نشرها. وفي ظل ثقافة العولمة التي تجتاح العالم ألان، وأنها تهيمن على كل مجالات الحياة، وأنها آدت لانحسار دور الكلمة، وأنها أصبحت تغني عن الكثير من الكلام، وتلعب دورا أهم من الكلمة خاصة في ميادين المعارك او الكوارث الطبيعية او الأزمات الاقتصادية وغيرها.

   والمدخل الثاني يقوم على تصور أننا لا نعيش في عصر الصورة بل في عصر الفكرة، وتقوم حججه على أن مفهوم عصر الصورة ما هو إلا شعار غربي، يلبي حاجات اجتماعية- اقتصادية وسياسية معينة، وانه ربما ينطبق على مجتمعات معينة دون سواها، ويرى هذا التصور أن مقولة الصورة لا تكذب قد سقطت، وان الصورة لا تقدم الواقع الواقعي، بل هي معينة أساسا بصنع وتقديم واقع مشروط باعتبارات ايدولوجية وسياسية واقتصادية معينة، وبقدر كبير من الدقة والمهارة. ومما سبق يستنتجون أن الصورة المعاصرة منهمكة في خدمة مشروعها، وفي صنع وتقديم وترسيخ واقعها المناسب لتحقيق مشروعها، وفي استخدام الإعلام ونظرياته لدفع المتلقي عبر التدفق البصري الغزير والمتنوع والجذاب للاستغراق في هذا الواقع والتماهي مع قيمه، وقد تم ذلك عبر عملية معقدة وواعية ومعتمدة.

  وفيما يتعلق بطرق تحليل الصورة، يعرض ليست لعدة مناظير لتحليل الصورة الاعلامية منها:

-       المنظور الشخصي والذي يعكس التقييم الفردي للصورة والانطباعات القائمة على الخلفية التعليمية  للفرد،

-       المنظور التاريخي، والذي يحلل الصورة في إطار سياقها التاريخي

-       المنظور التقني الذي يحلل الصورة من جوانبها وأبعادها الفنية،

-       المنظور الأخلاقي والذي يقيم الاستخدام والتأثيرات الأخلاقية للصورة

-       المنظور الثقافي الذي يعني بتحرير الرموز والأبعاد الدلالية داخل الصورة

-       المنظور النقدي، والذي يعني بتقييم الاستخدام الإعلامي من قبل وسيلة ما والعاملين بها للصورة وطرق التعامل معها.

2- القضايا الأخلاقية ذات الصلة باستخدام الصور الرقمية إعلاميا:

أ‌.      قضية المصداقية والتلاعب بالصور:

تمثل المصداقية متغيرا وسطا بين الإعلام والتأثير في الرأي العام، وقد اهتمت الدراسات بتحليل الاثار السلبية التي تترتب على فقدان وسائل الاعلام لمصداقيتها، والتي تمثل الاساس الفعال لتاثيراتها. وتاتي قضية مصداقية الصورة في مقدمة القضايا الاخلاقية التي اثاراتها المعالجة الرقمية، حيث بدأت تأخذ بعدا جديدا.

فبينما كان النقاش يدور في الفترات الماضية حول مدى مصداقية الكاميرا ذاتها في نقل الحقيقة والصدق، وهل الكاميرا لا تكذب؟ إلا أن النقاش انتهى للقول بان هذا الأمر بعيد عن الحقيقة، وانه لا يعبر عن قدرة الصورة على العرض الجيد لوقائع موضوع ما، وان كان هذا لا يعني الموضوعية، فموضوعية الصورة ليست كاملة كما كان يتصور البعض.

وعلل الكثيرون ذلك بان الصورة لا تصور الحقيقة كاملة اذا التقطت لتعبر عن موضوع ما، كما يمكن تغيير الصورة بواسطة الرتوش، بل ان مجرد اختيار صورة وليس أخرى هو دليل على تجهيز متعدد من الصور وقت الالتقاط والمحرر عند المناضلة بين عدة صور تم التقاطها. كما انه في عالم تهيمن عليه الصورة المنتجة على نحو جماهيري، أصبح القول بان هناك صورة وحيدة نوعها هي صورة الصادقة، عملة ضعيفة، فهناك العديد من النسخ التي يمكن ان توجد بالنسبة لأي صورة فوتوغرافية، كل منها لها القيمة نفسها.

 

ب- قضية الخصوصية والحق في الصورة:

تعتبر الصورة انعكاسا لشخصية الإنسان ليس فقط في مظهرها المادي الجسماني وإنما أيضا في مظهره المعنوي، فهي تعكس مشاعر الإنسان وأحاسيسه ورغباته، والحق في الصورة يعني تخويل صاحب الصورة الحق في الاعتراض على إنتاج صورته ونشرها دون رضائه، وكذا الحق في إباحة الإنتاج والنشر متى ثبت توافره. وان كان الحق في الصورة يتضاءل في بعض الأحيان أمام المصلحة العامة للجمهور وحقه قي المعرفة والإعلام، فضرورات الحق في الإعلام تعد من القيود الهامة على الحق في الصورة.

ج- قضية الملكية الفكرية:

من القضايا الأخلاقية والقانونية التي أثارتها المعالجة الرقمية للصورة، قضية حقوق الملكية الفكرية للصور، إذ بينما وفرت التكنولوجيا المعالجة الرقمية إمكانات كبيرة في مجال تحسين جودة الصور وألوانها وسرعة إنتاجها وتخزينها وإعادة استخدامها، إلا أنها أثارت مشكلة أخلاقية وقانونية تتعلق بحقوق النشر والملكية الفكرية، فمن ناحية أصبح من اليسير نسخ الصور واستخدامها دون الرجوع إلى أصحاب حقوق ملكيتها، كما أصبح من اليسير تنقل الصورة من فرد لآخر ومن مؤسسة لأخرى، دون معرفة المصدر الأصلي لها، مع صعوبة معرفة التغيرات التي حدثت على الصورة، وفي اية مرحلة تمت هذه التعديلات ومن قام بها.